محمد أبو زهرة

3628

زهرة التفاسير

نفس إيمانها ، والاستفهام منصب على آلْآنَ ، والتوبيخ على تأخر الإيمان إلى وقت الغرق ولذا يقول سبحانه : وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ، وقد أشار سبحانه إلى أمرين : الأمر الأول - يتعلق بفرعون نفسه وقد عصى من قبل وادعى الألوهية وكفر بالوحدانية واصطناعه العصاة مثله وخضوعه للسحر والكهانة . الأمر الثاني - يتعلق بعمله وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ أرهقت الناس بظلمك وأضعفت إرادتهم وقتلت نخوتهم وجعلتهم عبيدا ، ولا فساد في أمة أكثر من فناء آحادها حتى يكونوا كالآلات يحركها ويدفعها ، ووصف سبحانه فساده بالاستمرار طول حياته وحياة أمثاله ، فعبر ب كُنْتَ التي تدل على الاستمرار ، ووضعه في صف المفسدين في الأرض وقد كان أشدهم عتوا وطغيانا . لقد نجاه اللّه ببدنه ليكون آية دالة على قدرة اللّه تعالى وليراه الناس مثلا واضحا لمن أرهق شعبه وظلم وطغى وبغى وأكثر الفساد ، ونرى ذلك دائما فيمن يحاكونه وكأنه على مقربة منّا . فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ( 92 ) . ( الفاء ) للإفصاح عن شرط مقدر ، تقديره إذا كنت قد غرقت وضعفت واستخذيت في آخر لحظة - اليوم ننجيك ببدنك ، وذكر اليوم للإشارة إلى أنه ينجو ببدنه في ذلك اليوم ، وأضاف الإنجاء إليه سبحانه وجعله واقعا على فرعون باعتبار أنه صاحب البدن ؛ ولذا قال تعالى : بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ، أي دلالة أولا على عظيم قدرة اللّه تعالى التي قهر بها طاغوت عصره ، وثانيا للاعتبار لأن مآل الطغاة هو الفناء ، وثالثا يبان أن اللّه تعالى القادر على بقاء الأبدان ، هو قادر على إعادة الأموات ، ورابعا بيان أن العدالة هي الخير الباقي وأن الظلم هو الشر الذي يذكر الطغاة بسببه بأنهم مفسدون .